ابن كثير

14

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فقالوا : يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك واللّه لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ، فأنزل اللّه في ذلك قوله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ - إلى قوله - لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ وقد رواه محمد بن إسحاق أيضا ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس ، فذكره ، ولهذا قال تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ أي قَدْ كانَ لَكُمْ أيها اليهود القائلون ما قلتم آيَةٌ ، أي دلالة على أن اللّه معز دينه ، وناصر رسوله ، ومظهر كلمته ، ومعل أمره فِي فِئَتَيْنِ أي طائفتين الْتَقَتا أي للقتال فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ وهم مشركو قريش يوم بدر ، وقوله : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير « 1 » : يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم ، أي جعل اللّه ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم ، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة ، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر « 2 » لهم المسلمين ، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصون ، وهكذا كان الأمر ؛ كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، ثم لما وقع القتال أمدهم اللّه بألف من خواص الملائكة وساداتهم . والقول الثاني : أن المعنى في قوله تعالى : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم ، أي ضعيفهم في العدد ، ومع هذا نصرهم اللّه عليهم ، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس : أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية ، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس ، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف ، كما رواه محمد بن إسحاق « 3 » عن يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما سأل ذلك العبد « 4 » الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال : كثير ، قال « كم ينحرون كل يوم » ؟ قال : يوما تسعا ويوما عشرا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « القوم ما بين التسعمائة إلى الألف » . وروى أبو إسحاق السبيعي ، عن حارثة ، عن علي رضي اللّه عنه ، قال : كانوا ألفا ، وكذا قال ابن مسعود . والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وعلى كل تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين ، وعلى هذا فيشكل هذا القول ، واللّه أعلم ، لكن وجه ابن جرير هذا وجعله

--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 194 . ( 2 ) أي يقدّر عديدهم وعتادهم . ( 3 ) تفسير الطبري 3 / 196 . ( 4 ) في الطبري أنهما كانا غلامين ، أحدهما أسلم وهو غلام بني الحجاج ، والثاني عريض أبو يسار غلام بني العاص .